• طرابلس , ليبيا
  • اخر تحديث 11:54
اخر الاخبار

قصة مرض حفتر وعودته الغريبة ومستقبل أحلامه العسكرية - جمال سلطان

المشير خليفة حفتر بعد عودة من رحلة علاجية

28 ابريل 2018 - 03:40

قبل حوالي ثلاثة أسابيع اختفى الجنرال خليفة حفتر زعيم كتائب شرق ليبيا التي تطلق على نفسها اسم "الجيش الوطني الليبي"؛ لتمييزها عن الجيش الليبي الشرعي الذي يتبع حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا، الذي يتخذ من العاصمة طرابلس ـ حيث مقر السلطة الشرعية ـ مقرا لقيادته، ثم تسربت الأخبار بأن حفتر تعرض لجلطة في المخ ثم حدث له نزيف وأن حالته الخطيرة استدعت نقله على وجه السرعة إلى الأردن ومنها إلى فرنسا، حيث خضع هناك لعلاج مكثف في إحدى المستشفيات العسكرية.



في البداية حاولت الجهات السياسية الإقليمية الداعمة لحفتر نفي خبر مرضه، وروجت أنه موجود في ليبيا، وأنه سيقود معركة لتحرير مدينة "درنة" من ثوارها، قبل أن يظهر أن كل ذلك أكاذيب الهدف منها هو إخفاء خبر مرضه الخطير ومنع أي اضطرابات في الشرق الليبي حيث يقود حفتر مليشيات متنافرة وغير متجانسة فكريا ودينيا وسياسيا وقبائليا، بالمقابل راجت أخبار بأن حفتر قد توفي بالفعل في المستشفى الفرنسي، ونشرت تلك الأخبار وكالات أنباء عالمية مثل اسبوتنيك الروسية والأناضول التركية، كما أن اختفاءه الكامل وعدم ظهوره ولو في دقيقة واحدة عزز من تلك الفرضية، ولم يظهر خليفة حفتر في أي مشهد أو لقاء، ولم تجر معه أي قناة فضائية من الموالية له في ليبيا أو الإمارات أي لقاء حي معه لقطع الشائعات عن وفاته، حتى انتشرت التحليلات في جميع وسائل الإعلام العالمية والإقليمية عن سيناريوهات ما بعد حفتر، حتى فوجئ الجميع بخبر عودته إلى ليبيا أمس.



سيناريو الأحداث يؤكد بأن حفتر تعرض لأزمة صحية خطيرة، وأنه بالفعل كان بين الحياة والموت، وحالته لم تكن تساعد على أن يجري أي حوار ولو لدقيقة واحدة مع أي قناة فضائية، كما أن عودته التي اتخذت طابعا شبه سري، في توقيتها، تطرح تساؤلات كثيرة عن حالته الصحية الراهنة وقدرته على ممارسة دوره العسكري، فقد عاد حفتر عن طريق القاهرة، ونشرت أخبار بأنه كان على رأس وفد ليبي رفيع للقاء عدد من المسؤولين المصريين، لكن أحدا لم يسمع بوجوده في القاهرة، كما لم تنشر أي صور أو مشاهد حية لتلك اللقاءات، وهي أمور معتادة في أي زيارة له إلى القاهرة، فلماذا لم يظهر، ثم بثت قناة فضائية ليبية واحدة وقائع استقباله في مطار بنينا العسكري في الغرب الليبي، ونقلت عنها قناة اسكاي نيوز الإماراتية البث وقنوات مصرية خاصة، وكلهم وضعوا إشارة "بث حي" على المشاهد، بينما اكتشف الجميع بأن تلك المشاهد مسجلة، لأنها تمت إذاعتها قرب صلاة العشاء بالتوقيت المحلي، بينما المشاهد ظهرت في ضوء النهار، ووضح قطع المشاهد بمونتاج ظاهر في الصورة والصوت.



في الكلمة التي قيل إن حفتر قالها في الاحتفال المحدود الذي جرى لاستقباله في القاعدة الجوية، قال حفتر، إن الجيش هو الأمل وهو الوحيد القادر على إسعاد الليبيين، وعلى أن يجعلهم يحيون حياة طيبة تليق بهم، وهو يقصد كتائبه العسكرية التي يحلم بأن يسيطر بها على جميع التراب الليبي، وسخر في الكلمة من الديمقراطية ومن الانتخابات المقترحة، ووصفها بلفظ لافت جدا وهي "التمثيل" وهو لفظ كان يستخدمه القذافي للسخرية من الديمقراطية والانتخابات والبرلمانات التي تمثل الشعب، وله شعار شهير "التمثيل تدجيل"، وهو ما يكشف بوضوح أن حفتر يستلهم نموذج القذافي بصورة معدلة قليلا، هو إعادة انتاج للقذافي ودولته الإجرامية الفاسدة والقمعية، والتي أذلت الشعب الليبي بقوة السلاح طوال أربعين عاما، قبل أن تحرره ثورة 17 شباط/ فبراير المباركة.



في تقديري أن حفتر لن يكون قادرا على قيادة المنطقة الشرقية في المرحلة المقبلة، كما أن رعاته الإقليميين سيبدأون في البحث عن بديل له، تحسبا لسقوطه مرة أخرى، خاصة أن الجلطات في الرأس، في تلك المرحلة العمرية المتقدمة، يصعب أن يعود معها الشخص بكامل عافيته وقدراته، ويصبح خاضعا لأساليب علاج صارمة ومعرضا لخطر الموت للسبب نفسه بشكل مفاجئ، غير أنه حتى مع فرضية بقاء حفتر، فإنه سيظل ـ كما كان ـ عاجزا عن إنجاز انقلابه العسكري الذي تحلم به دول ترعاه، ليس فقط لأن المجتمع الدولي منقسم تجاه الوضع في ليبيا لحسابات مصالح بين الفرنسيين والإيطاليين والأمريكيين، وإنما أيضا لأن الشعب الليبي أخذ الدرس القاسي والمرير من تجربة القذافي، ولن يسمح بإعادة انتاجه من جديد، لا من حفتر ولا من غيره.